حدثني أحد الأصدقاء أن والده يشعر بالوحدة ، والملل وإعتزال الأولاد عنه وانشغالهم بأعمالهم اليومية ، وانشغالهم بأولادهم وتركه وحيداً مع الخدم ، بالإضافة أنه في بلد وأولاده في بلدان متفرقة ، فقال ما بظنك الحل ، لا نستطيع أن نترك أعمالنا حيث أنه المصدر الوحيد للرزق ، ولا نستطيع أن نجلب أبانا إلى الدول التي نحن فيها كون والدي كبير بالسن ولا يعطى له إقامة فما الحل . سرحت وتركت صديقي في مشكلته ، وأخذت أفكر لماذا يشعر هذا الإنسان بالوحدة ، هل لأنه بعيد عن أولاده فقط ، أم هناك أسباب أخرى تساند هذا الموقف . فقلت لنفسي لو كان هذا الأب يهوى القراءة - فالقراءة إذا مارسها الإنسان لا يهواه فقط بل يعشقها - لكان استغنى عن منة الإنسان لأخيه الإنسان ، ولاكتسب من المعلومات والأخبار والثقافة ما يشعره بالسعادة والحكمة ، بل قد يطلب هو اعتزال الناس . القراءة قد لا تحتاج الكثير من الأموال أو الأدوات ، عكس الهوايات الأخرى ، التي لا بد لها من أدوات مساعدة - كالانترنت مثلاً - توصيل وجهاز كمبيوتر واشتراك شهري . أحياناً تقلب الزمن يدفع بعض الأبناء للهجرة والتغرب من أجل تأمين لقمة العيش . القراءة عادة فعلينا أن نمارسها ، ونفعّلها في حياة أبناءنا، لازالت ذكريات الطفولة تعشش فكري ؛ حيث كان والدي - رحمه الله - يوفر لي كل السبل لكي أتجه للقراءة وأترك كرة القدم التي كنت مدمناً عليها ، فقرأت مجلة ماجد مثلاً بداية من العدد رقم (2) وكان الوالد هو السبب في استجلابها . المعرفة والحكمة والتميز، كلها لها سبيل واحد تبدأ به وهي القراءة . ولكي نعود أنفسنا عليها علينا أن نحدد مثلاً عدد الصفحات التي نقرأها في اليوم - مثلاً (50) صفحة يومياً - ونلزم أنفسنا بها ونجبرها ، ونخدعها أحياناً لنصبرها ، مثلاً نقول باقي عشرة صفحات ، أو لعلي استفيد من الصفحات المتبقية معلومات قيمة ، حتى تخضع النفس وتروض ، فنزيد بعد ذلك عدد الصفحات. وأن نحمل الكتاب معنا أينما رحلنا وحللنا ، وأن نضع في كل ركن في البيت مجموعة من الكتب ، وأن نختار للصغار الكتب ذات الصور ونحببهم في المطالعة ، وللفائدة : أذكر أني أحمل كتبي معي في كل زياراتي للأهل في الأمارات الأخرى حيث نمكث عندهم أحياناً بالأيام في الإجازات ، ففي إحدى هذه المرات ، وبعد أن تعوّد الصغار أن يجدوني منكب على القراءة أقترب مني أحد الصغار وأخذ كتاباً من كتبي وأخذ يتصفحه ويبيّن للأهله أن يقرأ ، طبعاً كان لا يجيد القراءة جيداً لأنه يعرف بعض الحروف ، ولكنه قلد، فهي المحاكاة فوعدته بأن أهديه كتاباً يناسب عمره ولكنه أصر أن يكون كالكتاب الذي أقرأه. فهي إذاً عادة ، وقدوة . فلا تبخلوا على الجيل القادم !
فبعض الأولاد لا يدركون معنى لهذا التعامل ، وقد يعتريهم الاستغراب والاستهجان ويؤدي بهم إلى ممارسة العناد أو التغيّب عن المنزل لساعات متأخرة من الليل . الأب لم يكن مخطئاً في منعه لأمر قد يؤثر سلباً على الطفل ، بينما أسلوبه لم يجانبه الصواب . هناك تفاوت كبير بين فهمنا ، وفهم أولادنا ، والتفاوت أيضاً نلحظه في فهم الأولاد فيما بينهم ؛ فليس ملزماً أن نعامل زيد كما نعامل عمرو ، فبعض الأطفال ذكائه واستيعابه واهتماماته تختلف جلياً عمن هم من جيله . فلو رجعنا إلى القرآن الكريم وخاصة في سورة يوسف لوجدنا كيف أن يعقوب عليه السلام ينصح ابنه يوسف عليه السلام بأن لا يقص رؤياه على أخوته ، لأنه يدرك مشاعرهم ويخش أن يجد الشيطان طريقاً إلى نفوسهم :(( إذ قال يوسف لأبيه يا أبت إني رأيت أحد عشر كوكباً والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين ، قال يا بني لا تقصص رؤياك على أخوتك فيكيدوا لك كيداً ، إن الشيطان للإنسان عدو مبين )). فالقرب من الأبناء يشعر الطرفين بالتجانس والحب والمعرفة ، فالأب يشعر بأنه يعرف كل حركة إرادية من أبنه ، كذلك الابن يدرك نظرة الغضب ونظرة الايجاب والرضى من والده . وختاماً أترككم مع المبدع جبران خليل جبران وهذه الكلمات التي خص بها الآباء : ولكم أن تكونوا مثلهم ، وليس لكم أن تجعلوهم مثلكم ، لأن الحياة لا تمشي القهقري ، ولا هي تتمهل مع الأمس .

اللوم

التعامل معه بهدوء

دون رقيب
(2) تعليقات
<<الصفحة الرئيسية








