جملة تفوه بها بائع الفلافل ، لكنها أيقظتني من سبات سحيق ، فلقد مرت الأيام والأعوام دون أن أشعر بها ، ظننت أني لا زلت صغيراً ، فعلاً الإنسان لا يشعر بتقدم عمره ، ولعل الشيبات الظاهرة كانت سبباً في البوح بهذه الجملة ، فالعادة كنت أخضبها بالحناء ، فكنت أبدو صغيراً بعض الشيء ، ولعل تكاسل كان وراء نسيان الحناء هذه المرة . أبدو كالأم تنظر لولدها مهما كبر صغيراً ، وعليها أن ترشده وإن كان حاصلاً على الدكتوراة . عندما يبصر الإنسان نفسه ويرى تقدم عمره ، وينظر إلى من كانوا حوله وتركوه في هذه الدنيا ، حينها تبدو الحياة قصيرة ، لا تعدوا إلا ساعات نتعارف فيها ، ثم نرحل ونترك غيرنا في أساً وحزن ، هكذا هي الدنيا . ولعلنا نتعجب من صغير يلقى حتفه ، وهرم يعمر طويلاً طويلاً ، فيرى أحفاده ، ويلاعب الصغار ويفرح بهم ، ويظل يتذكر الماضي ودائماً يقول أنه الأجمل ، لأنه فقد الحيوية والنشاط في الخاضر ، فأمسى وحيداً لا يجلس معه إلا القيل من أفراد أسرة كتأدية واجب لا أكثر ولا أقل ، لهذا تجده يهاجر إلى الماضي ويستعيد ذكرياته الجميلة ، حتى الأيام المرة استعادتها في ذاكرته يصبغها بحلاوة وجمال وأنس . هي دقائق تمر وتكدس في النهاية كأعوام بكل تجلياتها ، فهل سنصل إلى ما وصل إليه صاحبنا ، أم أن قطار عمرنا سيعطب قبل بلوغ المحطة القادمة ، وهل المحطة القادمة مهمة أم هي كسابقاتها مجرد عبور دون ترك أثر . 
فعلاً الوطن غال في قلوبنا ، فكسمكة تخرج من الماء تتنظر حتفها كان انتظاري للطائرة ، ما اسرع ذلك اليوم مر ولم أشعر به وكأن الدقائق تقذفني خارج خريطة الحياة ، وكأن الشوارع تبكي بعد كل خطوة أخطوها ، ما أصعب الرحيل وما أقسى البعد عن حضن يضمك لفترة طويلة . الطيور على غير عادتها تحط على الأغصان قبيل المغرب ولكنها صامته ، هل انت حزينة عليّ أيضاً ، هل ما تشاهده عيني حقيقة ، أم هو الخيال الذي يترسم للإنسان الذي يبحث عن الحب فلا يجده ، فيغرق في أحلام اليقظة عوضاً عن هذا الحب ، لا تحزني ياأيتها الطيور فرحيلي ليس بدافع من نفسي ، بل هي أيدٍ تدفعني للخروج دون اكتراث بانسانيتي التي انتهكت ، ودون اكتراث بشهادة ميلادي التي لا أزال أحتفظ بنسخ كثيرة منها. لماذا هناك من يظن أن الأرض له وحده ، وأن المشاعر الإنسانية لها وحده ، وأن الوطن له وحده ، لماذا هذه الأنانية التي لا يقبلها أي عقل . لقد تحجرت عيني لأن الدموع التي بها سكبتها على مدرج المطار وسأرحل بعين جافة ، بعين حاقدة لكل من ينظر إليها ، فكيف لعين مثلها أن تضحك ، فكيف لعين مثلها أن تبصر جمالاً غير جمالك يا وطني . 
ولدت على هذه الأرض فغدت موطني ، وتبللت أرضها بعرقي ، ووضعت جنبي على ترابها ، واستنشقت عبير أزهارها ، لم أشعر بأني غريب عنها ، لم أتصور باني في يوم سأكون أجنبياً بحكم القانون . مررت على القبور لكي أسامرها ، لكي أشكو إليها حزني ، ولعلني فكرت بأن هذا القبر لن يقبلني ضيفاً عليه ، فجئت أحجز مكاناً مسبقاً عنده ، جئت لكي أرضيه . فلقد ولدت بغير ذنب بدون ، فما عساني فاعل هي الظروف تصنع منك حاكماً ، وتصنع منك غنياً ، وتصنع منك فقيراً ، وتصنع منك .... بدوناً !!
ولكي أسئله سؤالاً : هل بطنك لا يقبل إلا أصحاب الأوراق الثبوتية
لعل كثرة الأسئلة تقودنا للبحث عن الأفضل ، ولعلها تدخلنا دهاليز المعرفة ، فنخرج معنا قواعد الحياة ، وقواعد التعامل مع الآخرين ، لأننا فعلاً فقدنا حسن التقديم وحسن الصحبة وحسن المعاشرة الاجتماعية . لعل دخان عوادم المركبات تذكرنا بالعوادم المكنونة بداخلنا ولا نستطيع إخراجها ، فتؤدي بنا إلى التهلكة والعطب الجسدي ، ولعل الدخان يتصاعد إلى الدماغ فيعطب الفكر ، وينتكس الحس الشريف . ليت لنا إحساس ابن حزم في طوق الحمامة ، وعشق مصطفى صادق الرافعي في وحي القلم . الإحساس بالآخر يولد قوة تمكنا الاستمرار ، ولنستمر ولو كان زادنا قليلاً ، فقليل دائم خير من كثير منقطع
<<الصفحة الرئيسية








