هذه الصورة أرخت عزائمي وأثقلت كاهلي ؛ شفقة على النفس البشرية التي بدلاً أن تدب على هذه البسيطة أخذت تجري وتلهث خلف لقمة العيش، واستعملت كلمة تجري لأن الإنسان غدا آلة ، فحركته محدودة وتكاد رجله لا تلامس الأرض ، وإذا لا مست جلس خلف كرسي العرش الوظيفي فتأخذ أصابعه زمام الأمور لتلعب على الكيبورد . فحياتنا العملية أصبحت سهلة وميسرة وسريعة ، فالموظف ما أجمله في يومه الوظيفي الابتسامة تحط على محياه ، يقدم يد العون لكل من يحتاج للمساعدة دون تأفف أو ضجر ، فهو يسعى للتميز . ولكن بعد الثانية والنصف يخلع جلباب العمل وهذا السكون النفسي ، لتكتشف نقيض هذه الآلة ، إنسان منهك ذهنياً متعب جسدياً ، يفتقد الروح . فكما الآلة تحتاج إلى الكهرباء أو الشحن ، فكذلك هذه النفس بأمس الحاجة إلى الترويح ، والترويح ليس المقصود منه إضاعة الأوقات ، بل تمرين النفس حتى لا تجمد على وتيرة واحدة وقالب واحد ، أو تصاب بالعطب فيوقفها ، ولكن ترويح النفس يكون بالعلم فهو الغذاء ، العلم بشتى مجالاته ، وخاصة الأدب لتتناغم نفسه مع الحياة المادية ، وهو أحوج ما يكون إلى قراءة القرآن ليعيد بناء بيته الخرب ، فالنفس التي لا تحتك بكلمات الله سبحانه وتعالى تكون كما شبهها رسولنا الكريم بالبيت الخرب ، فعلينا عدم الاستهانة بمتطلبات النفس ، ونتعاهدها بالرعاية ونمدها بما يحفظ لها التوازن والاستمرارية . 
فأبتعدي عني لأني عشقت ثوبك ولم أنتبه لجمالك .
دائماً يحن الإنسان لمسقط رأسه ، المكان الذي ولد فيه وترعرع ، لأن فيها من الذكريات التي لا يمكن نسيانها ، لأنها ذكريات الطفولة التي تتسم بالحرية والنشاط وعدم المبالاة أحياناً . ولا زلت أتذكر الحي الذي عشت فيه وأسمه المطار القديم ، ولقد سمعت أنه تغير اسمه إلى الروضة ، ولا أحب تغير الأسماء لأنها تسيء إلى ذاكرة خالدة في الوجدان ، لا يحب المحب طمسه . والذكريات في المطار كثيرة ، وأتذكر أنه عندما انتقلنا للعيش في هذا الحي كان شبه خاوياً من السكان لأن موقعة كان جنوب الدوحة وكان وقت ذاك آخر حي جنوباً ، وأتذكر أننا كنا نذهب ونصطاد الضب الذي كان يعيش في هذه المنطقة ، ليس لنأكله بل لنلعب معه ، وكنا نعاني من وجود العقارب في دارنا ، وكان في حينا مسجد واحد وكان بعيد عن منزلنا ، مما جعل والدي يتفق مع أحد الحافظين لكتاب الله أن يصلي بنا في البيت صلاة التروايح في شهر رمضان ، وكان جيراننا يأتون إلى (حوش) بيتنا ليصلوا معنا ، وكان ذلك نابع من حرص والدي على أداء صلاة الجماعة رحمه الله . ولقد تعرفت على الكثير من الأصحاب في هذا الحي الذين كان لهم دور في تغيير شخصيتي ، فأتذكر عبد الحميد الذي أهدى لي شريط قرآن للشيخ أحمد العجمي الذي كان يقرأ من سورة يوسف ، ولقد تأثرت بصوته كثيراً وأعجبت به لدرجة أني كنت أسمعه دائماً حتى وقت النوم، وكان هذا سنة 1985 تقريباً ، وكما أهدى مع هذا الشريط شريطاً آخر عبارة عن أناشيد إسلامية للمنشد الرائع أبو راتب ، وكانت بداية سماعي للأناشيد ولقد تأثرت بهذا الشريط كثيراً حتى أن كلمات بعض الأناشيد منها أرغمتني على البكاء على حال هذه الأمة وحال المسلمين ، فمن لا يتذكر نشيدة فوق المنابر قف ونادي . قد تكون علاقتي بالمكان تجعلني لا أنسى كل موقف مر بي وأنا صغير ، فمهما طالت السنين فستبقى الذكرى حاضرة تدغدغ مشاعري ، وتبني لي صرحاً متيناً من الحب لهذا المكان ولأهل هذا المكان . 
وكما هو معلوم أني من مواليد الدوحة ، ولقد عشت بها عشرون من الأعوام ، ولقد حفلت سنين عمري العشرين بلإثارة في أجمل معانيها ، ولأنها ماضي جميل فلا يستطيع الإنسان تهميشها ونسيانها ، لأنها مرحلة اكتساب الخبرة والمعرفة .
ولعل الاجتهاد الفردي لفرض القوانين استخفاف بحياة البشر ، ووسيلة لفرض الظلم والقسوة على المجتمع ، فالإنسان الذي كرمه الله عز وجل وجعله خليفة في الأرض ، يجب علينا احترام كينونته ، ومشاعره ، وإعطاءه أبسط الحقوق ، والتيسير ، اقتاءاً بالرسول صلى الله عليه وسلم حيث قال : إنما أرسلنا ميسرين لا معسرين . لهذا قبل سن أي قانون يجب أن يراع أحوال عامة الناس وليس فئة قليلة لا حول لها ولا قوة ، لتطبيق القانون عليها ، فالخوف يكون من الله عز وجل لأن الله ينصر الدولة الكافرة العادلة على المسلمة الظالمة . الكثير من المسلمين يعيشون في بلاد الإسلام الغنية بضائقة لا يعلم بها إلا الله ، ثم القريبين منهم الذين يعايشونهم ، وهذه الضائقة ما أتت إلا بسبب بعض القوانين الشبه جائرة ، والتي أخذت من فكر إنسان لا ينظر إلا بالمحيط الذي يعيش فيه ، دون اكتراث بالجراذين من حوله، فهو أعلى الجميع وأقدسهم حياة ، والعفن لا يستحقون العيش بمستوى يوازي مستواه . هذه نظرتهم ، وهذه رؤيتهم ، وهذا التمييز الذي يطمحون لتحقيقه على أرض الواقع لكي يرتقوا
<<الصفحة الرئيسية








