لماذا التاريخ يعيد نفسه عندنا ؟ تمر على الشعب الإسلامي والعربي الأحداث ، وتكون النتيجة هي الضعف والقهر ، فحالات الفقر تنتشر في أماكن عديدة ، وفي مواقع أخرى هناك الغنى الفاحش مع غياب العقل والفكر ، فكأن الشعوب آلات يعملون بسلوك متشابه منتظم ، دون أن يحملوا أية مشاعر ، وأية أفكار للتغيير . فنحن لا نقرأ التاريخ لكي تكون الحقيقة جلية أمامنا ، ولكي نتعرف على عدونا الحقيقي ، ولكي نتقي شر من يشاركنا الأرض ويسيطر عليها . إنها الحياة الروتينية التي يرسمها لنا العدو ، فنحن فعلاً أمة أمية لا تجيد التعامل مع القراءة والكتاب ، ولا تجيد العيش الحر ، بعيداً عن قيود الحياة ومشاكلها اليومية ، فكأننا خلقنا لننقش الأحزان على جدار الألم ، ونتيه في دياجير التبعية الممقوتة ، ونسبح في وحل العبودية لغير رب العباد ، وتوقظنا أصوات أخواننا المعذبين لبرهة من الزمن ، ثم تصم آذاننا دهوراً بفعاليات مهرجانات الأغاني ، وتعكر مزاجنا صور المقابر الجماعية وصور الشهداء والدماء السائلة على أرضنا ، وتأتي الإنجازات الكروية لتزيح هذه الصورة عن الوجدان وتبدلها بدموع خاسري المباراة . وبالجانب الآخر ، نلمح وجهاً يضيء نوراً ، ولحية تتدلى ، وتؤنس الرياح باللعب معها ، بها طهارة القلب ، وإخلاص الزمان الغابر ، ولكن ابتعد عن هذه الأمة العاصية ، وجلس في صومعة تعزله عن الأحداث بحجة فساد الزمان وأهله ، فهو بعيد عن فقه الواقع ، والسياسة الاجتماعية والعاطفية ، وبينه وبين المجتمع بون شايع لن يستطيع اجتيازه حتى يختلط بأمته ، فالذي يخالط الناس ويصبر على اذاهم خير من الذي لا يخالط الناس . أبعد هذا يحق لنا أن نسأل لماذا يعيد التاريخ نفسه !!
العمل للإسلام يعتمد على الاجتهاد ، فردياً كان أم جماعياً ، ودائماً تكون المصلحة الشرعية هي الهدف الأسمى لنظرة كل طرف . وكل عمل لابد له من منتقدين ومعارضين ، وأحياناً أعداء يحاولون طمس معالم النجاح ووأد الفكرة واجهاضها قبل أن تصل مرحلة المخاض وقبل أن ترى النور . وينقسم الأعداء أيضاً إلى أقسام ثلاثة : والعمل كونه منبثق من اجتهاد فهو عرضة للخطأ والصواب إلا أن العمل للإسلام مع كونه معتمداً على الاجتهاد إلا أن الأصول التي تستند إليها الجماعات نابعة من الشرع ، فإن وجد فيها اختلاف فهو في كيفية وطريقة التنفيذ. ولكني من خلال هذا الإدراج أحببت أن أتحدث عن السرية في العمل الإسلامي ، وهل هي مقبولة في عصر الانفتاح والتطور الإعلامي والتقني ، وما جدوى هذه العلملية . والحقيقة التي لا يعارضها الواقع أن أغلب الأعمال والمخترعات التي يبحث أصحابها عن النجاح تبدأ بالسرية التامة ثم يتم إعلانها بعد دراستها من جميع الجوانب والقضاء على أطرافها الضعيفة وبترها ، حتى تبدو قوية للعيان ويتقبلها الجميع . فكذلك العمل لأجلّ مشروع وهو العمل للإسلام لا يستغرب أن يبدأ بسرية ، فالإعداد واجب على الأمة ، وأمر بها الله سبحانه وتعالى في كتابه : (( وإعدوا لهم مااستطعتم من قوة ..)) وأعداء الأمة كثر ، ويخططون ليلاً ونهاراً لإفشال المشروع النهضوي الإسلامي ، وسلاحهم القوي الفتاك هم من يتبعونهم من النفعيين الذين تهمهم مصلحتهم الشخصية وخاصة المادية ، والمكوث أطول وقت ممكن على عروشهم الزائلة . فمع هذه التحديات ، وفارق القوة والسيطرة بين الطرفين ، نجد العقل والواقع يؤيدان هذه الطريقة الدعوية (السرية) كونها هي الطريقة المثلى التي يمكن من خلالها القيام بواجب العمل للدين ، وهي المتاحة والقابلة للتطبيق في وقتنا الحاضر للوقوف في وجه التيار المعاكس ، لأن العمل للإسلام يجب أن لا يتوقف ، وهو فرض كفاية وتأثم الأمة إذا استسلمت للأمر الواقع وتقاعصت عن القيام بواجبها . وتختلف طرائق العمل في كل بيئة ، فالمصلحة هي المطلوب الأساسي لكل عمل ، والحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق بها .
<<الصفحة الرئيسية








