ركبت سيارة أجرة قاصداً مدينة الأحلام والتي تزخر بالحياة السعيدة الرغيدة ، وتتوفر فيها سبل العيش والوظائف الشاغرة ، التي من كثرتها لا تجد أحداً يشغلها ، فلمحت من بعيد حاجزاً كالحواجز التي تفصل المدن الفلسطينية عن بعضها وعلى المعبر عساكر وعليهم لباس خضراء وسوداء (قاتمة) ، فلما اقتربنا منهم فإذا وجوههم مظلمة وكأن ماء الوضوء لم يلامسها منذ أمد بعيد، وجال بخاطري سؤال حيرني وأرق فكري ؛ هل من أشاهدهم من الأنس أم هم من جنود أبليس ، فإذا بصوت الجندي يوقظني من هذا السبات ويأمرني وصاحب السيارة أن نعرض أنفسنا على المفتشين الذين يقومون بعملية التفتيش ، فإذا هم يفتشون عن القلوب ، فإذا كان قلبك أخضر حي فممنوع أن تعبر إليهم وعليك الرجوع من حيث أتيت ، فالصفة التي تحملها هي صفة المفسدين والإرهابين فامتزاجك في هذه المدينة يعكرها ، ويكدر حياة سكانها. فلما اقتربت من الأسلاك الشائكة ، وجدت فتحة صغيرة ، كأنها طرزت لجسمي النحيف ، فعبرت من خلالها إلى عالمي الجديد الذي شغلني طيلة سنوات حياتي الأخيرة ، والتي من خلالها غيرت مساري وانتهجت نهج الفارغين . فأخذت جولة في المدينة على قدمي وعيني ترنو يمنة وشمالا مبهورة بمشاهدة الأنوار الجميلة وبنات الهوى المنتشرات على جوانب الطرقات بلباس لا يكاد يدفئ من برد الصحراء الذي يضرب العظم ، وكيف أن الشرطة تقوم بتنظيم بيوت الدعارة وتقننها ، وتقوم بفحص هؤلاء البنات خوفاً على صحة مواطنيها . فرأيت عين أحد الشرطة ترمقني وتتابعني ، فإذا به يقترب مني ويسألني عن الهوية فارتبكت فقادني إلى مركز الشرطة وقاموا بفحص قلبي فإذا هو أسود كقلوب مواطنين مدينة الأحلام فأطلقوا سراحي ، فخرجت وكلي عجب وذهول من نتيجة الفحص ، فكيف يتغير الإنسان بلحظة . فعلمت سر هذا الموقف وكيف أن جنود ابليس سمحوا لي بعبور مدينتهم من خلال السياج ، فهو ليس بذكاء مني بقدر ما هو علمهم بقصدي ، لأن اصحاب القلوب الخضراء لا يطيقون العيش في المدينة ، إنما من فقد إيمانه وتاه في دياجير الشهوات والأحلام الفاسدة .
ولقد كانوا كرماء معنا ، فلما عرفوا حقيقتنا أطلقوا سراحنا وأمرونا بالعودة ، ولكن كل ممنوع مرغوب فحدثتني نفسي بأن أتسلل إلى المدينة عبر الجبال الموازية لها ليلاً ، فحلكة الظلام قد تغطيني بستار يخفيني عن أعينهم (ونسيت هنا آية الكرسي والمعوذات) ، فطلبت من السائق أن يلتف خلف وادي (قيد الحياة) وهو وادي موازي لحدود مدينة الأحلام ، وكان وقت صلاة المغرب قد حان ، ولانشغالي لم أعد أتذكر هذه الطقوس ، وجرني فكري في فضاء الحياة المادية دون اكتراث مني بالمبادئ ، فقوة العزيمة على اقتحام المدينة أسرني .
الاربعاء, 14 فبراير, 2007
أضف تعليقا
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية









من البحرين
تكاثر إبليس ليخلف لنا أباليس كثيرة استمدت قوتها من أستهتار البشر بتعاليم دينهم
تسلم خوك على المقال اللطيف