أفكار للحياة
أحياناً يقف القلم عاجزاً عن السير لأن صاحب القلم تخلى عن قيمة مهمة في درب حياته، وبعودته تعود الحياة للأدب العربي محمد الكمالي
طِيبة الشعب السوداني

 
 
 
 
 
 
 
 
لبعض الشعوب صفات يتحلون بها دون غيرهم ، في حلهم وترحالهم ، ولعل الشعب السوداني من ضمن هذه الشعوب التي لها صفة معينة تميزها عن غيرها .

والذي لاحظته على هذا الشعب ولاحظه غيري  ، أن الشعب السوداني يتصف بالطيبة الزائدة عن الحد ، ويعاملون الناس بكل حب واحترام وعطف 

 لا أطيل عليكم فأقدم لكم هذه القصة الحقيقية التي حدثت في دولة الإمارات مع أحد السودانيين :-

تعرض أحد السودانيين لإصابة  أرغمته الذهاب للمستشفى ، وفي المستشفى وبعد الفحص كتب الدكتور على دواء للمريض ولكن للأسف لم يكن الدواء متوفراً  في المستشفى فأخبر المريض السوداني بذلك ، وأخبره بأن على أحد من أقاربك أن يحضر الدواء ، فقال المريض ولكن لا أقارب لي في الإمارات ، ولكن أطلب منك وأنت خارج من المستشفى إذا شاهدت أي سوداني في طريقك أن تسلمه هذه الروشتة .

استغرب الدكتور من تصرف هذا المريض وأعتقد بأنه ليس سوياً وقد يكون لديه نقص في عقله ، ولكنه نفذ ما أمر به المريض ، وهو خارج المستشفى صادف أول سوداني فأعطاه الروشتة ، فقرأ السوداني الآخر اسم المريض فاتضح بانه من جنسيته (سوداني) فأخذ الروشتة فغادر.

وتفاجئ الطبيب في اليوم التالي بأن حجرة المريض السوداني اكتضت بالزوار من الجالية السودانية ، فسأل الطبيب المريض لقد أخبرتني بأنه لا يوجد لك أحد في الإمارات فما كل هؤلاء ، فابتسم المريض وقال صدقني يا دكتور لا أعرف أحداً منهم .

سبحان الله أخواني هل وجدتم أطيب من هذا الشعب ، فقد يكون البعض أبوه أو أمه في المستشفى ولا يقوم بحق الزيارة فكيف بمن لا نعرفهم .

الحرية المنشودة
طموح الإنسان الحر أن يشعر بالحرية والانطلاق في حله وترحاله ، وفكره وآراءه ، إنها تركيبة البشر التي خلقها الله ، وكرّه إليها الأغلال والقيود التي تحجره عن الانطلاق في المساحة التي أختارها لنفسه ، لكي يقوم بالتنفيس عن خلجاته الداخليه ويظهرها أحياناً للعلن ، وأحياناً ليحتفظها لنفسه .
ولعل البعض يتمادئ في هذه المساحة ، ويجلب لنفسه الضيق والحرج ، وهذا الضيق إنما دليل على أنه أخطئ في السير ، لأن صاحب الحرية يشعر بنشوة لا تنتهي بانتهاء عمله ، إنما تظل معه ، يحملها في قلبه ، لهذا قيل (استفت قلبك) .
ليست الحرية أن نقوم بممارسة وظيفة جنس آخر ، فالفطرة تقف حائل دون انتكاسة الخلق الرباني الذي نفخه من روحه ، وأمر الملائكة أن تسجد له .
وبالجانب الآخر نجد التضييق على أصحاب الآراء البناءة ، الذي يبتغون الطهارة للمجتمع ، فتوصد أمامهم سبل التخاطب مع الناس لإيقاضهم من السبات الذي خطط له أن يمارسوه .
مهما بلغ قساوة الجلاد يظل الإنسان أقوى قوة خلقها الله ، ويظل يحتفظ بحريته ، ولن يستطيع كائن من كان أن ينزعها ، لأنها مطلب شرعي .  
  

الحرية

شكراً يا حاج

بائع فلافل

 
شكراً يا حاج !

جملة تفوه بها بائع الفلافل ، لكنها أيقظتني من سبات سحيق ، فلقد مرت الأيام والأعوام دون أن أشعر بها ، ظننت أني لا زلت صغيراً ، فعلاً الإنسان لا يشعر بتقدم عمره ، ولعل الشيبات الظاهرة كانت سبباً في البوح بهذه الجملة ، فالعادة كنت أخضبها بالحناء ، فكنت أبدو صغيراً بعض الشيء ، ولعل تكاسل كان وراء نسيان الحناء هذه المرة .

أبدو كالأم تنظر لولدها مهما كبر صغيراً ، وعليها أن ترشده وإن كان حاصلاً على الدكتوراة .

عندما يبصر الإنسان نفسه ويرى تقدم عمره ، وينظر إلى من كانوا حوله وتركوه في هذه الدنيا ، حينها تبدو الحياة قصيرة ، لا تعدوا إلا ساعات نتعارف فيها ، ثم نرحل ونترك غيرنا في أساً وحزن ، هكذا هي الدنيا .

ولعلنا نتعجب من صغير يلقى حتفه ، وهرم يعمر طويلاً طويلاً ، فيرى أحفاده ، ويلاعب الصغار ويفرح بهم ، ويظل يتذكر الماضي ودائماً يقول أنه الأجمل ، لأنه فقد الحيوية والنشاط في الخاضر ، فأمسى وحيداً لا يجلس معه إلا القيل من أفراد أسرة كتأدية واجب لا أكثر ولا أقل ، لهذا تجده يهاجر إلى الماضي ويستعيد ذكرياته الجميلة ، حتى الأيام المرة استعادتها في ذاكرته يصبغها بحلاوة وجمال وأنس .

هي دقائق تمر وتكدس في النهاية كأعوام بكل تجلياتها ، فهل سنصل إلى ما وصل إليه صاحبنا ، أم أن قطار عمرنا سيعطب قبل بلوغ المحطة القادمة ، وهل المحطة القادمة مهمة أم هي كسابقاتها مجرد عبور دون ترك أثر . 

اليوم الأخير

 
آخر يوم قبل السفر لا أعرف لماذا أخذت الكاميرا وذهبت إلى الكورنيش لالتقط صورة تذكارية مع هذا الوطن الذي سأهجره هجرة أحسست أني لن أعود بعدها ، فما سبب أخذي للصورة إذا كانت عودتي محتومة .

فعلاً الوطن غال في قلوبنا ، فكسمكة تخرج من الماء تتنظر حتفها كان انتظاري للطائرة ، ما اسرع ذلك اليوم مر ولم أشعر به وكأن الدقائق تقذفني خارج خريطة الحياة ، وكأن الشوارع تبكي بعد كل خطوة أخطوها ، ما أصعب الرحيل وما أقسى البعد عن حضن يضمك لفترة طويلة .

الطيور على غير عادتها تحط على الأغصان قبيل المغرب ولكنها صامته ، هل انت حزينة عليّ أيضاً ، هل ما تشاهده عيني حقيقة ، أم هو الخيال الذي يترسم للإنسان الذي يبحث عن الحب فلا يجده ، فيغرق في أحلام اليقظة عوضاً عن هذا الحب ، لا تحزني ياأيتها الطيور فرحيلي ليس بدافع من نفسي ، بل هي أيدٍ تدفعني للخروج دون اكتراث بانسانيتي التي انتهكت ، ودون اكتراث بشهادة ميلادي التي لا أزال أحتفظ بنسخ كثيرة منها.

لماذا هناك من يظن أن الأرض له وحده ، وأن المشاعر الإنسانية لها وحده ، وأن الوطن له وحده ، لماذا هذه الأنانية التي لا يقبلها أي عقل .

لقد تحجرت عيني لأن الدموع التي بها سكبتها على مدرج المطار وسأرحل بعين جافة ، بعين حاقدة لكل من ينظر إليها ، فكيف لعين مثلها أن تضحك ، فكيف لعين مثلها أن تبصر جمالاً غير جمالك يا وطني . 

بدون أوراق ثبوتية

ولدت على هذه الأرض فغدت موطني ، وتبللت أرضها بعرقي ، ووضعت جنبي على ترابها ، واستنشقت عبير أزهارها ، لم أشعر بأني غريب عنها ، لم أتصور باني في يوم سأكون أجنبياً بحكم القانون .

مأساة يشترك معي فيها الكثيرون ، غدت كلمة (البدون) تؤذيني ، تؤرق كل سكون في نفسي ، تجبرني أحياناً إلى الاعتزال ، تشعرني بالدونية ، لا أريد أية أوراق ثبوتية ولكني أريد إعترافاً بأني ابن هذه الأرض ، بأني أنتمي لها ، ومستعد أن أدافع عنها ولو بجسدي .
 

 

مررت على القبور لكي أسامرها ، لكي أشكو إليها حزني ، ولعلني فكرت بأن هذا القبر لن يقبلني ضيفاً عليه ، فجئت أحجز مكاناً مسبقاً عنده ، جئت لكي أرضيه .
ولكي أسئله سؤالاً : هل بطنك لا يقبل إلا أصحاب الأوراق الثبوتية

فلقد ولدت بغير ذنب بدون ، فما عساني فاعل

هي الظروف تصنع منك حاكماً ، وتصنع منك غنياً ، وتصنع منك فقيراً ، وتصنع منك .... بدوناً !!

الاستمرار
 
صاح المنبه في نفس الميعاد المؤقت له ، لأبدأ يوم آخر ، لا أشعر بأن يومي الجديد سيتغير عن الأيام التي مضت ، لماذا هذا الشعور الغريب نوعاً ما ، لماذا هذه الغمة التي نزلت على ليل عمري ، لم أكن سابقاً بهذا الحال ، لقد ودعت جلسة الناس ، وسجنت نفسي مع هذه الكتب التي أشعر أنه الم آخر كنت أجهله ، ولا ألقي له بالاً ، أنه يأخذني بعيداً عن حاضري ، ويعيدني أحياناً نحو الماضي ، كيف عاشوا هؤلاء بدون الضجة التي نعيشها وبدون السكون الذي نمقته ، كيف حصلوا على حماس الشباب ، كيف عشقوا مساعدة الإنسان في شق طريقه نحو الفضيلة والعفة والنجاح ، كيف رسموا الحب العفيف ، بل كيف أعادوا الإنسان إلى الفطرة التي انتكست في عالمنا .

لعل كثرة الأسئلة تقودنا للبحث عن الأفضل ، ولعلها تدخلنا دهاليز المعرفة ، فنخرج معنا قواعد الحياة ، وقواعد التعامل مع الآخرين ، لأننا فعلاً فقدنا حسن التقديم وحسن الصحبة وحسن المعاشرة الاجتماعية .

لعل دخان عوادم المركبات تذكرنا بالعوادم المكنونة بداخلنا ولا نستطيع إخراجها ، فتؤدي بنا إلى التهلكة والعطب الجسدي ، ولعل الدخان يتصاعد إلى الدماغ فيعطب الفكر ، وينتكس الحس الشريف .

ليت لنا إحساس ابن حزم في طوق الحمامة ، وعشق مصطفى صادق الرافعي في وحي القلم .

الإحساس بالآخر يولد قوة تمكنا الاستمرار ، ولنستمر ولو كان زادنا قليلاً ، فقليل دائم خير من كثير منقطع

لعل عثرة بصغير توقظ رجل كبير

لعل عثرة من صغير توقظ رجل كبير

غرفة صغيرة في أسفل وادٍ زاخربالأحراش ، فتحت نافذتها لكي يدخلها الهواء ، كان أحمد على فراشه الوثير ينام غِرارا فاستيقظ على صلق المنبه ، فلقد عيّر الوقت على الساعة الثالثة والنصف صباحاً ، فاليوم ستسافر غانيته إلى بلادها في زيارة قصيرة ثم تعود ، ولكنه لم يستطع أن يتعايش مع الوضع الجديد ، فأصر أن يودعها ، وأن يكحل عينيه بجمال وجهها حتى اللحظة الأخيرة ، فلبس ملابسه بسرعة وأخذ يجري بين السهول التي تحيط بقريته على أرض أيبستها الجفاف وسط ظلام دامس لم يعهده سابقاً - أحياناً الطبيعة من حولنا تتشكل بطريقة تعاملنا معها - ومع الجري السريع تعثرت قدماه وسقط على الأرض فأخذ يلعن هذه الصخرة التي وقفت في طريقه ، وبينما هو كذلك سمع صوت طفل رضيع يصدر من نفس اتجاه الصخرة حتى اقترب منها فإذا هي ليست صخرة بل طفل ترك في هذه الغابة ، فحمل الطفل على ساعده وأخذ ينظر إليه ، ونسى موعده مع غانيته ، وأخذ يفكر في مصير هذا الطفل وكيف وصل إلى هذا المكان الموحش وكيف أمه تركته ، آه إنها نتيجة فعلة شنعاء علاقة غير شرعية ، ولكني أنا أيضاً أمارس هذه العلاقة وما خروجي في هذا الليل إلا لتحقيق هذه الغاية المشينة ، هل جاء هذا الرضيع لكي يوقظني من سبات طال ليله ، يا لها من حكمة إلاهية ، سأعود إلى غرفتي لكي أتطهر من هذه النجاسة ، وسأضع هذا الرضيع  قرب المسجد علهم يجدوه ويعتنوا فيه وسأصلي معهم وأراقبهم وهم يأخذونه لكي أطمئن عليه ، لعل عثرة  بصغير توقظ رجل كبير .

الإنسان ذلك الآلة

 
مع نفحات الصباح الأولى وقبل أن تتكدر الدنيا بعوادم السيارات ، كنت خلف مقود سيارتي أنتظر أن تحمى المركبة لكي يسهل عليّ قيادتها للذهاب للعمل ، فاخذت عيناي تجول يمنة ويسرة فشاهدت أطفال ينتظرون الحافلات المدرسية ، والشوارع تعج بالمركبات ، والأرصفة تخلو من جنس عربي ، وتكاد تنفجر من عدد الآسيويين الذين يستيقظون باكراً .

هذه الصورة أرخت عزائمي وأثقلت كاهلي ؛ شفقة على النفس البشرية التي بدلاً أن تدب على هذه البسيطة أخذت تجري وتلهث خلف لقمة العيش، واستعملت كلمة تجري لأن الإنسان غدا آلة ، فحركته محدودة وتكاد رجله لا تلامس الأرض ، وإذا لا مست جلس خلف كرسي العرش الوظيفي فتأخذ أصابعه زمام الأمور لتلعب على الكيبورد .

فحياتنا العملية أصبحت سهلة وميسرة وسريعة ، فالموظف ما أجمله في يومه الوظيفي الابتسامة تحط على  محياه ، يقدم يد العون لكل من يحتاج للمساعدة دون تأفف أو ضجر ، فهو يسعى للتميز .

ولكن بعد الثانية والنصف يخلع جلباب العمل وهذا السكون النفسي ، لتكتشف نقيض هذه الآلة ، إنسان منهك ذهنياً متعب جسدياً ، يفتقد الروح .

فكما الآلة تحتاج إلى الكهرباء أو الشحن ، فكذلك هذه النفس بأمس الحاجة إلى الترويح ، والترويح ليس المقصود منه إضاعة الأوقات ، بل تمرين النفس حتى لا تجمد على وتيرة واحدة وقالب واحد ، أو تصاب بالعطب فيوقفها ، ولكن ترويح النفس يكون بالعلم فهو الغذاء ، العلم بشتى مجالاته ، وخاصة الأدب لتتناغم نفسه مع الحياة المادية ، وهو أحوج ما يكون إلى قراءة  القرآن ليعيد بناء بيته الخرب ، فالنفس التي لا تحتك بكلمات الله سبحانه وتعالى تكون كما شبهها رسولنا الكريم بالبيت الخرب ، فعلينا عدم الاستهانة بمتطلبات النفس ، ونتعاهدها بالرعاية ونمدها بما يحفظ لها التوازن والاستمرارية .  

عشقي لثوبك
أقبلتِ إلي بثوبك العنابي ، فأعجبت بك كثيراً ، ولا أدري مصدر إعجابي أكان لك أم كان للون العنابي الذي ترتدينه ، فهو لون يعيش في أعماقي منذ أمد بعيد ، حببني أياه أبي ، فتعلق قلبي به تعلقاً جعل منه لا يغادر نظري، فكل ما أراه هو وطني ، هو فرحي وحزني ، هو سعادتي وشقائي ، هو الروح الذي يسري في جسدي ، فكما أنشد مشاري العفاسي :
 
 (( كل إنسان عنده بلاد عليها يعيش ***** إلا أحنا بلدنا مثل الروح فينا تعيش ))
 

فأبتعدي عني لأني عشقت ثوبك ولم أنتبه لجمالك .

ذكريات المطار القديم

السوق

دائماً يحن الإنسان لمسقط رأسه ، المكان الذي ولد فيه وترعرع ، لأن فيها من الذكريات التي لا يمكن نسيانها ، لأنها ذكريات الطفولة التي تتسم بالحرية والنشاط وعدم المبالاة أحياناً .
وكما هو معلوم أني من مواليد الدوحة ، ولقد عشت بها عشرون من الأعوام ، ولقد حفلت سنين عمري العشرين بلإثارة في أجمل معانيها ، ولأنها ماضي جميل فلا يستطيع الإنسان تهميشها ونسيانها ، لأنها مرحلة اكتساب الخبرة والمعرفة .

ولا زلت أتذكر الحي الذي عشت فيه وأسمه المطار القديم ، ولقد سمعت أنه تغير اسمه إلى الروضة ، ولا أحب تغير الأسماء لأنها تسيء إلى ذاكرة خالدة في الوجدان ، لا يحب المحب طمسه .

والذكريات في المطار كثيرة ، وأتذكر أنه عندما انتقلنا للعيش في هذا الحي كان شبه خاوياً من السكان لأن موقعة كان جنوب الدوحة وكان وقت ذاك آخر حي جنوباً ، وأتذكر أننا كنا نذهب ونصطاد الضب الذي كان يعيش في هذه المنطقة ، ليس لنأكله بل لنلعب معه ، وكنا نعاني من وجود العقارب في دارنا ، وكان في حينا مسجد واحد وكان بعيد عن منزلنا ، مما جعل والدي يتفق مع أحد الحافظين لكتاب الله أن يصلي بنا في البيت صلاة التروايح في شهر رمضان ، وكان جيراننا يأتون إلى (حوش) بيتنا ليصلوا معنا ، وكان ذلك نابع من حرص والدي على أداء صلاة الجماعة رحمه الله .

ولقد تعرفت على الكثير من الأصحاب في هذا الحي الذين كان لهم دور في تغيير شخصيتي ، فأتذكر عبد الحميد الذي أهدى لي شريط قرآن للشيخ أحمد العجمي الذي كان يقرأ من سورة يوسف ، ولقد تأثرت بصوته كثيراً وأعجبت به لدرجة أني كنت أسمعه دائماً حتى وقت النوم، وكان هذا سنة 1985 تقريباً ، وكما أهدى مع هذا الشريط شريطاً آخر عبارة عن أناشيد إسلامية للمنشد الرائع أبو راتب ، وكانت بداية سماعي للأناشيد ولقد تأثرت بهذا الشريط كثيراً حتى أن كلمات بعض الأناشيد منها أرغمتني على البكاء على حال هذه الأمة وحال المسلمين ، فمن لا يتذكر نشيدة فوق المنابر قف ونادي .

قد تكون علاقتي بالمكان تجعلني لا أنسى كل موقف مر بي وأنا صغير ، فمهما طالت السنين فستبقى الذكرى حاضرة تدغدغ مشاعري ، وتبني لي صرحاً متيناً من الحب لهذا المكان ولأهل هذا المكان . 

الارتقاء على حساب الضعفاء
 
سن القوانين وسيلة لتنظيم حياة البشر ، الذين لو تركوا بدون قانون يضبط حركتهم لفشت الفوضى وعم الخراب ، وانتشرت الأنانينة .

ولعل الاجتهاد الفردي لفرض القوانين استخفاف بحياة البشر ، ووسيلة لفرض الظلم والقسوة على المجتمع ، فالإنسان الذي كرمه الله عز وجل وجعله خليفة في الأرض ، يجب علينا احترام كينونته ، ومشاعره ، وإعطاءه أبسط الحقوق ، والتيسير ، اقتاءاً بالرسول صلى الله عليه وسلم حيث قال : إنما أرسلنا ميسرين لا معسرين .

لهذا قبل سن أي قانون يجب أن يراع أحوال عامة الناس وليس فئة قليلة لا حول لها ولا قوة ، لتطبيق القانون عليها ، فالخوف يكون من الله عز وجل لأن الله ينصر الدولة الكافرة العادلة على المسلمة الظالمة .

الكثير من المسلمين يعيشون في بلاد الإسلام الغنية بضائقة لا يعلم بها إلا الله ، ثم القريبين منهم الذين يعايشونهم ، وهذه الضائقة ما أتت إلا بسبب بعض القوانين الشبه جائرة ، والتي أخذت من فكر إنسان لا ينظر إلا بالمحيط الذي يعيش فيه ، دون اكتراث بالجراذين من حوله، فهو أعلى الجميع وأقدسهم حياة ، والعفن لا يستحقون العيش بمستوى يوازي مستواه .

هذه نظرتهم ، وهذه رؤيتهم ، وهذا التمييز الذي يطمحون لتحقيقه على أرض الواقع لكي يرتقوا

دورنا في بناء الحضارة

مما لا يخفى علينا أن أهم ما يميز الإنسان هو العقل !!
فبواسطته يتم التعلم ، ويكتسب من خلاله الحكمة وحسن التصرف في المسيرة الحياتية ، ومن حكمة خلق العقل أن يكون الإنسان مفكراً ، يبدي رأية في الأمور التي تخص العامة ، الأمور المعاشية والحياتية ، لينير بعض العقول التي طمست في ظلام الجهل ، وظلام الشهوة الحيوانية غير المتزنة .
ولكن كم من عقل مفكر قيد وشل قبل أن ينطلق لمجال الدعوة الفسيحة ، لا لكونها غير ناضجة وواعية لما يدور من حولها ، ولكن لأنها تصطدم مع أفكار شخصية تافهة حقيرة حقارة الجيفة المنتنة التي جعلها النبي صلى الله عليه وسلم رمزاً للحياة ، وأنها لا تساوي عند الله شيئاً ، حتى لا يتكالب المسلمون عليها .
رجل يقرأ جريدة
ولقد عطل الكثير هذا العقل ، ولم يستخدمه الاستخدام الصحيح ، فترك التعمق في القراءة بالاكتفاء ببعض العنوانين التي لا تغني ولا تشبع نهم الأديب الحق ، الذي لا يرتوي من القراءة والتفكر ، ولو ظل قائماً عليها ليلاً ونهاراً ، فالعلم ليس له منتهى يقف عنده ، والذي أعتقد ذلك يعد من جهابذة الجهال .
 
ولكن مع هذا التعطيل لو تمعنا في النقيض لرأيناه أستعمل وأجهد عقله فيما لا ينفع ، كأستعمال البعض ذكائهم في السرقة ، أو الكذب للوصول لمقصودهم السيء .

ولعل الفكر لم يبلغ مقصده عندنا لعدم إتاحة الحرية للمفكرين ، بل عزلولهم في مساحة ضيقة بأسم التراث والتقاليد لكي يبدعوا فيه ، مما أفقدهم الكثير من تميزهم وإبداعهم ، وتطبعوا بطابع المحلية ، لضيق أفقهم ، ولغياب النور الإلاهي الذي يعتبر خير ساند لهم ، لغياب النظرة الشمولية التي تعمل على فهم القصد الإسلامي في مد يد العون للمغيبين عن ساحة الحق .

إنها مهمة منوطة بكل إنسان أن يرتقي بعلمه وفكره ، ليبلغ منزلة الحكماء ، التي لا تكون إلا للجادين ، والسعي للقيادة ليس بالأمر الممنوع ، وخاصة القيادة العلمية ((اللهم أجعلني للمتقين إماماً)) فيجب بذل الجهد في هذا المجال لكي نرتقي بالأمة ، ويكون لنا دور في بناء الحضارة الأخلاقية قبل الحضارة العمرانية والتمكين . 
لغة الضاد في خطر
ثقافة المجتع ، هي عنوانها الذي يعرف به إنسان الجيل الجديد ، والثقافة بمعناها العام تشتمل على فكر الأمة ، وأهتمامتها ، ومدى ضحالة علمها من غزيرها.
وهي مهمة في رقي الأمة ، ونضح الفرد ، وبواسطته تجد الإنسان يحترم أخاه الإنسان ويعطف عليه بكل حنان ومشاعر ، لأنه متصل بالإيمان الروحي والسمو الخلقي والاتصال اللا محدود مع خالق الأكوان .
لذا نجد إذعان الفرد للقوانين وإحترامه لها ، عكس الخاوي فكرياً ، الذي يعتبر آلة تعمل ليل نهار ، مع وجود طرائق التميز من حوله إلا أنه يسعى دوماً للأمور المادية ، والسعادة اللحظية التي تضفي على مستقبله  لوناً قاتماً تجرده من هدوء المطمئن والراضي بقدر الله عز وجل .
قد يلاحظ الكثير معي إذا مروا بجوار بائع الجرائد ، أو بعض المحلات التجارية التموينية ما يباع بها من كتب أو مجلات ، فهي دائماً تحمل على غلافها صورة فتاة بكامل زينتها ، أما الكتب فهي على الأغلب كتب لقصائد غزلية يتبجح بها صاحبها ، ويفسد بها طباع المراهقين المنتكسين فكرياً بسبب التربية المعاكسة للصواب .
الكثير من جيل اليوم لا يتقن اللغة العربية الفصحى ، مع العلم أنه ولد من أبوين عربين وعريقي العروبة من ناحية النسب ، إلا أنه تعمق في العامية، ومعها أحياناً اللغة الأنجليزية التي أصبحت مفخرة العائلات .
لعل جهلنا بالقرآن يعود إلى سببين رئيسين :
أولاها : هجرنا للقرآن
والثاني : هجرنا للغة القرآن وهي اللغة العربية .
ولعل يأتي يوم لا نجد دولة عربية بحق . بل أشباه دول عربية


مشهد مهم :
قد يأتي يوم نفقد فيها السيادة على حضارتنا ، ونعتبرها من التاريخ القديم. 

تجديد الإيمان
(AP Photo/Courtesy of  The New Yorker)
 
تجديد الإيمان يبعث على النفس قوة وإصراراً وإنطلاقاً نحو أعمال الخير، بكل خفة وروح عالية ، كون هذه النفس تصاب بالإعياء والكسل، فتصد أحياناً عن الطريق المستقيم إلى الجهة المضادة منها ، فتقع في أوحال الخطايا بسبب غياب مؤشر الصلاح الذي خبى واضمحل .

فكما يتجدد الصباح ويتنفس ، كذا النفس البشرية لا تستغني عن التجديد، فكم سمعنا عن أمة فقدت الإيمان ولم تعد تشعر بوجودها ، وتخبطت في تصرفاتها فكشفت للعالم وجهها الحقيقي ، وما فعله الجنود الأمريكان في أبو غريب أرض العراق ببعيد عن ذاكرتنا ، الفعل الذي يظهر لنا انتكاس الفطرة ، والخواء الروحي ، الذي يمتلك الحيوان بعضاً منها ، فالحيوان تجده يتصف بالحنان والرحمة وخاصة مع مثيلاتها ، فهي مفطورة على حياة لا تتعداها ولا تعتدي عليها . 

ولتجديد الإيمان طرائق شتى ، وأعمال لا نستطيع إحصائها ، فهي كشعب الإيمان كثيرة ، وأقلها إماطة الأذى عن الطريق هذا الفعل الذي لا يغفل عنه إلا أصحاب الإيمان الضعيف ، فنقص إيمانهم قد يشعرهم بالإهانة والخجل والكبر عن فعلها .
وصاحب الإيمان الضعيف يأتي بالمبررات الواهية والبعيدة عن الواقع ليثبت صحة نظريته ، وقد يصل به الأمر إلا أن يتصف بصفة التعصب الممقوت .

ولعلنا ننظر إلى أحوالنا وأحوال أمتنا الإسلامية والتخبط في إصدار القرارات ، والجري وراء اليهود لإرضائهم والتفرقة الظاهرة بين المسلمين ، ونستيقن أنه من ضعف الإيمان ، لأن الإيمان دائماً يبعث الإنسان إلى الحب ، حب الوطن والإخلاص وحب المسلمين مهما اختلفت جنسياتهم وألوانهم ولغاتهم .

فحري بمن ضعف إيمانه أن يسعى إلى رفع معدل إيمانه ويحرص أشد الحرص على ذلك ، فالإيمان سبب الحياة والعمل والإنجاز والحب ، وسبب الثبات على الجادة إلى أن يلقى الله .

لا تقدم الماء بدلاً من اللبن
صورة 42-16214637

 

الكثير منا يعيش على هامش هذه الحياة ، لا دخل له بما يدور حوله ، وكأن الأمر لا يعنيه من قريب أو بعيد، وعند مناقشته حول هذا الموضوع يبرر موقفه ويدعي أنه لا يقدر أن يغير هذا العالم ، فليس في يده شيء يفعله ، وفي نفس الوقت تجده يهاجم العاملين الجادين في الحياة والبارزين، فيقول ماذا قدموا هؤلاء وماذا وماذا ..
هذا حال أغلب من يعيشون بيننا ، السلبية تجاه قضايانا المصيرية ، من مسؤول إلى أصغر عضو .

إن إلقاء الكرة في ملعب الطرف الآخر لهو أسهل الأمور ، وغدا هذا الأمر سلوك يومي يتبجح به كل من لا يحمل في نفسه هم المسلمين ، وهم الإنسانية بعبارة أخرى .
لعلكم تذكرون قصة الذي قتل مائة نفس وأراد أن يتوب وكان صادقاً في توبته ، ففي نهاية القصة أن العَالِم أخبره أن يهجر هذه القرية إلى قرية أخرى مجاورة بها أناس صالحون ، وفعلا عزم على ذلك ولكنه لقى حتفه في الطريق فتخاصم الملائكة هل من أهل الجنة أم النار ، فأوحى إليهم الله سبحانه وتعالى أن يقيسوا المسافة بين موقع موته وبين القريتين فإذا كان أقرب للمدينة الصالحة فهو من أهل الجنة ، أما العكس فهو من أصحاب النار.

ولكن الحدث المدهش بالنسبة لنا أن كيف الله عز وجل غير السنن الكونية والتضاريس لهذا المخلوق البسيط ، فقرب القرية الصالحة من الرجل فكان من أهل الجنة .

ولعلنا نذكر أيضاً قصة الثلاثة الذين سدت عليهم المغارة بواسطة حجر ،  فعندما ذكر كل منهم عمل صالح قام به ، انزاحت الصخرة قليلاً ، حتى خرجوا ، فهؤلاء أفراد ولكن كل منهم عمل عملاً أنقذ جماعة من الموت .

وتحسب أنك جرم صغير            وفيك انطوى العالم الأكبر
 
ولقد قرأت قصة (رمزية) فيها من العبر الكثير ، ولعلها تمثل الواقع الذي نعيشه فأحببت أن أقدمها لكم لعلها تؤثر فينا ، وتبين دورنا الحقيقي في هذه الحياة .
 
يحكى أنه حدثت مجاعة في إحدى القرى، فطلب الوالي من أهل القرية طلبًا غريبًا في محاولة منه لمواجهة خطر القحط والجوع...

وأخبرهم بأنه سيضع قِدرًا كبيرًا في وسط القرية.

وأن على كل رجل وامرأة أن يضع في القِدر كوبًا من اللبن بشرط أن يضع كل واحدالكوب لوحده من غير أن يشاهده أحد.

هرع الناس لتلبية طلب الوالي.. كل منهم تخفى بالليل وسكب ما في الكوب الذي يخصه. وفي الصباح فتح الوالي القدر .... وماذا شاهد؟

شاهد القدر و قد امتلأ بالماء!!!

أين اللبن؟! ولماذا وضع كل واحد من الرعية الماء بدلاً من اللبن؟

الذي حدث أن كل فرد من الرعية.. قال في نفسه:" إن وضعي لكوب واحد من الماء لن يؤثرعلى كمية اللبن الكبيرة التي سيضعها أهل القرية".

وكل واحد منهم اعتمد على غيره ... وكلا منهم فكر بالطريقة نفسها التي فكر بها أخوه، و ظن أنه هو الوحيد
الذي سكب ماءً بدلاً من اللبن,

والنتيجة التي حدثت..

أن الجوع عم هذه القرية ومات الكثير منهم، ولم يجدواما يعينهم وقت الأزمات.
 
فكم من مقصر تجاه أخوانه ملئ القدر بالماء بدلاً اللبن

تــــذكــــــــــر:
من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم  
الإعراض عن ذكر الله

لماذا نعرض عن ذكر الله ؟

هل المشكلة نفسية ، أم اجتماعية وللبيئة دور في ذلك !

لعلها تكون نفسية في الدرجة الأولى ، لأن الله ميز الإنسان بميزة عظيمة، ألا وهي ترك الحاضر وهو يعيش فيها، أي الإنسلاخ عن الواقع والإبحار في ملكوت الله .

ولعل القصص كثيرة في هذا الشأن ، فأحد الصحابة (أعتقد أنه عروة بن الزبير) أصابته الأكلة (الغرغرينة) فعندما عرض عليه المعالج قطع ساقه بعد التخدير ، رفض التخدير لأنه يغيبه عن ذكر الله ، فأرشد المعالج إلى قطع هذا العضو وهو في الصلاة لأنه لا يشعر بمن حوله في وقتها ، وفعلاً تم بتر العضو ولم يشعر به إلا بعد الانتهاء من الصلاة .

فلدينا قوة كبيرة تمكننا تهميش الحاضر السيء ، والعلو بفكرنا لنصل إلى الشموخ الذي يجتثنا من براثن بعض الأفعال التي تلتصق بالجاهلية وتوصم بالبذائة والانحطاط ، لكن دون ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، فالإصلاح واجب على الكفاية بالنسبة للمجتمع ، وواجب إصلاحي للنفس بالنسبة للفرد ، فإن ترك الفرد هذا الواجب عاش انفصاماً مع مجتمعه ، والمؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم أفضل عند الله .  

وللتربية دور كبير في تعويد الفرد على التواصل المستمر المثمر في مجال الذكر ، والتعويد لا أقصد بها العادة التي لا تتسم بالروح والخواء ، بل كما قال الله تعالى إقام الصلاة ، أي بقلب حاضر خاشع ، والتعويد الذي أقصده هو التكرار المثمر الذي يؤثر في الفرد ويعدل من سلوكه ويملك بواسطتها المراقبة الذاتية التي تقوده إلى تشابه أعماله في خلوته ، وأمام الناس من ناحية الخلق ، والسرية في نافلة العبادات التي تستلزمها الإخلاص وتبعده عن الرياء ، إلا الأعمال التي فيها حث الغير على فعل الخير ، فالأفضل إبرازها ، واستفتاء القلب في هذا الأمر مرغوب ، لأن الإنسان أعرف بنفسه من غيره ، فإن وجد في نفسه غروراً ورياء فليقم بها سراً .

والله من وراء القصد

ألا بذكر الله تطمئن القلوب
 
لعل الكثير من المسلمين يعتقدو